الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
396
نفحات الولاية
المؤسف فارتكبت عملًا قبيحاً تجسد في غلق باب الاجتهاد . فقد صرحوا بأن هذا الحد يكفي ولا يحق لأحد بعد هذا ممارسة الاجتهاد ! وحيث اختلفت الامّة طوائف في الأحكام الشرعية وذهبت كل طائفة لاتباع عالم . فاختاروا أربعة من هؤلاء الفقهاء ممن لهم أتباع كثيرون ( وهم أبو حنيفة ومالك ومحمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل ) ثم الزموا الناس بتقليد أحد هؤلاء الأربعة وأبطلوا سائر الآراء والعقائد للحيلولة دون الاختلاف والتمزق ؛ بينما لا نرى هنالك من دليل في الكتاب أو السنّة على إمامة هؤلاء الفقهاء الأربعة ، وليس لهم أدنى امتياز على من سواهم سوى كثرة أتباعهم ، كما لم يقم الدليل على غلق باب الاجتهاد وحصره بهؤلاء الأربعة لكل عصر ومصر ! وكما أشار الإمام عليه السلام في الخطبة رقم 16 « ألا وأنّ الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها ، وخلعت لجمها ، فتقحمت بهم في النار » . فانّ هذه الهفوات العظيمة إنّما أفرزتها الزلات الأولى حتى تبلورت كسلسلة ارتبطت حلقاتها لتؤدي بالتالي بأصحابها إلى النار . لقد خلق غلق باب الاجتهاد اليوم مشاكل عويصة لفقهاء العامة وعلمائهم ؛ وذلك لأنّهم يرون أنفسهم اليوم أمام سيل جارف من المسائل المستحدثة التي ليس لها من حكم في المذاهب الأربعة ؛ ومن هنا انبرت جماعة منهم علانية وأخرى خفية تطالب بفتح باب الاجتهاد بوجه الفقهاء والخروج من حالة التقوقع والانطواء على المذاهب الأربعة ، كما خاضوا في ضرورة الافتاء في المسائل المستحدثة وإعادة النظر في المسائل السابقة وهم يتساءلون عن علية حصر الاجتهاد في المذاهب المذكورة ، مع العلم قد ظهر العلماء الذين فاقوهم ، وحتى على فرض عدم تفوقهم على أسلافهم ، فمثل هذا السؤال يبقى مطروحاً ، إذا أغلق باب الاجتهاد فمن يتصدى للإجابة على المسائل المطروحة اليوم ؟ أمّا أتباع أهل البيت عليهم السلام فقد بقوا في أمان من هذه العاصفة الهوجاء ، فهم لم يعتقدوا بغلق باب الاجتهاد ( طبعاً الاجتهاد بالمعنى الأول لا الثاني ) طرفة عين أبداً ، وقد منحوا فقهائهم وعلمائهم حق استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها المعروفة ، في ذات الوقت الذي حظروا فيه الاجتهاد بالمعنى الثاني على كائن من كان . سؤال : هنا سؤال يطرح نفسه : الاجتهاد بالمعنى الأول هو الآخر يقود إلى الاختلاف وعليه